موقع الشيخ/ عبيّد بن عبدالرحمن البيضاني

جديد المكتبة المقروءة
جديد المكتبة الصوتية
جديد دروس التفسير
جديد الأخبار


جديد المكتبة المقروءة

جديد الأخبار

جديد المكتبة الصوتية

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

تفسير سورة المسد
11-07-1431 06:38

تفسير سورة المسد



سورة المسد مكية بلا إشكال، وتسمى (تبّت) .

سبب نزول سورة تبّت: ما ثبت في البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ }الشعراء214 صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني عدي. لبطون من قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: (أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟) قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً. قال: (إني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد). فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟! فنزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ{1} مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ{2}) هذا سبب نزولها.
وأبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم واسمه عبد العزي بن عبد المطلب. كني بأبي لهب لإشراق وجهه وبياضه. وامرأته العوراء بنت جميل واسمها أروى بنت حرب وهي أخت أبي سفيان.
فهذه السورة بين الله فيها الرد على أبي لهب لما قال ما سبق بعد نداء النبي صلى الله عليه وسلم لقريش، وافتتاح السورة بالتباب مشعر بأنها نزلت للتوبيخ والوعيد. وهذا يسمى براعة استهلال.


تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ{1}


تبت :بمعنى خسرت، والتباب: الخسران { وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ } غافر37 { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } هود101 فالتباب: الخسران، ومن الخسران الهلاك فخسر وهلك.
يدا أبي لهب: الذي خسر أبو لهب نفسه وليس يداه فقط، لكن ذكر اليدين لأنهما آلة العمل والحركة والبطش والأخذ والعطاء. ومن أسلوب اللغة العربية والقرآن أيضاً أن يعبر باليد ويراد الشخص نفسه. فيكون من باب إطلاق البعض - وهي اليدان - وإرادة الكل، ولهذا قال بعد ذلك: (وتبّ) لأن الخسران له نفسه، وتبت: كلمة خبريه ودعائية في نفس الوقت ثم بين الله أن ذلك تحقق فقال: وتب: أي وخسر. إذاً حصل هذا وهو الخسران.
لكن للعلماء أقوال في (تبّ) الثانية و (تبّت) الأولى:
القول الأول: أن الأول دعاء والثاني خبر فأولاً دعى عليه ثم أخبر بحصول ذلك.
القول الثاني: أن الأول لعمله يعني خسر عمله لأنه عبر بيديه، والثاني خسر هو بذاته.
ولهذا يذكر بعض المفسرين أنه مات بمرض خطير لم يتمكنوا من غسله فأراقوا عليه الماء فقط ويسمى مرضه مرض العدسة يشبه الطاعون ثلاثة أيام لم يدفن حتى أنتن، حتى أن أولاده غسلوه بالماء من بعيد مخافة عدوى العدسة. وعلى كل حال هو خسر كما قال الله تعالى. ولهذا يؤخذ منه أن كل من عارض الحق فقد عرض نفسه للتباب وهو الخسران إن لم يتداركه الله عز وجل بهدايته.

مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ{2}


لم يُغْنِ عنه ماله ولا كسبه كما قال تعالى: { وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى } الآية. سبأ 37
و (ما) : قيل إنها استفهامية يعني أي شيء أغنى ماله وكسبه. وقيل نافية أي: لم يُغْنِ عنه ماله ولا كسبه، لأنه كتب الله عليه الشقاوة فلم ينفعه شيء، والمال معروف ما أغنى عنه ماله، لكن الكسب يقول بعض العلماء المراد: أولاده لأنهم كسبٌ لأبيهم فلم ينفعه أولاده بل كانوا خسارة عليه. وقيل الكسب عام يشمل الولد وغيره مما يكتسبه من تجارة وزرع وماشية وغيره، وهذا الصحيح أنها عامة. لم ينفعه أي كسب كسبه سواء الولد أو غيره. نعوذ بالله من الخذلان.

سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ{3}


(السين) للتنفيس والقرب يعني سيصلى النار قريباً. ومعنى (يصلى) : يحترق ويعذب ونُكرت النار للتعظيم فهي نار عظيمة صاحبة لهب وشرر وإحراق واشتعال وتوقد. وهنا مجانسة لفظية بديعة مع اسمه، فاسمه أبو لهب وعقابه بنار ذات لهب. فالعقوبة من جنس العمل ومن جنس الاسم وهذا مشاكله بديعة. فأخبر الله أنه لن يهتدي وسيموت كافراً. ومع كونه يكذب النبي صلى الله عليه وسلم فلو كان عنده أدنى شيء من التصرف لقال هذا النبي يقول تبت وها أنا ذا أسلم تكذيباً لخبره لكنه ما فعل ذلك لسبق الشقاوة عليه فسوف يتحقق فيه ما توعده الله به.

وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ{4}


(وامرأته) : مرفوع بالضمة معطوف على الضمير سيصلى هو: وامرأته. يعني سيجمع هو وامرأته جميعاً في النار. لأنها شاركته في الكفر وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أن المرأة إذا شاركت زوجها بالمعصية فإنها تشاركه في العذاب أيضاً.

حمالة الحطب: حمالةَ بالنصب وهذه قراءة عاصم. أما جمهور القراء يقرؤنها حمالةُ بالرفع. فأما على الرفع بالضمة حمالةُ فهي صفة للمرفوع وهو قوله: (امرأتُهُ) فيكون: امرأتهُ حمالةُ. أما على قراءة عاصم بالنصب حمالةَ. فإنها منصوبة على الاختصاص أو على الذم وامرأتهُ: أخصُّ حمالةَ الحطب، أو أذمُّ حمالةَ الحطب. أو منصوب على الحال. أي امرأتهُ التي حالها أنها تحمل الحطب.

الحطب: الحطب ظاهر ومعلوم لكن كيف تحمله؟ قيل: كانت تحمل الحطب والشوك وتضعه بطريق النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قال به بعض المفسرين. وقيل: تحمل الحطب بالآخرة فتحمله على ظهرها في الآخرة ثم تضعه تحت زوجها ثم يعذب به. فيكون هنا باعتبار ما سيكون في الآخرة لأنه كائن لها لا محاله فعبر بحمالة الحطب. والأول تحمل الشوك في الدنيا وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مانع من حمله على المعنيين: أنها في الدنيا تحمل الحطب والشوك باختيارها، وبالآخرة تحمله باضطرارها جزاء وفاقاً.

فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ{5}


الجيد: العنق والحبل معروف أيضاً أما المسد فهو الليف. وهذا الحبل من الليف في عنقها وسيتقد في النار في عنقها. أما على التفسير الأول وهو أنها تحمل الحطب وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم فالمعنى أنها تحمل الحطب وتضطر أن تربطه بحبل من ليف وتضعه على عنقها وتلقيه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم فبين الله حال امرأة أبي لهب وأنها على شر حالة مع زوجها. نسأل الله السلامة والعافية. وقدم الخبر وهو (في جيدها) لبيان ذلك الوصف والحالة الفضيعة عوضت فيها بحبل في عنقها بدل الحليّ الذي في عنقها ولم ينفع أبا لهب قربه من النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي هذه السورة: تسلية لكل إنسان ندَّ عليه قريبه فالهداية بيد الله. وفيه أن من تعاسة الإنسان أن تكون زوجته عوناً له على الشر. ولهذا تجد بعض الناس يهتدي بعد زواجه وبعضهم يضل بعد زواجه فنسأل الله الهداية والتوفيق وصلاح الأولاد والأزواج. والله أعلم.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 8619


خدمات المحتوى


تقييم
1.75/10 (16 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم ومسلمة